28‏/08‏/2012

وحيد


استيقظتُ في يوم ليس عاديًا، كانت فيه القرارات ليست عادلة، وسريعة الاتخاذ.
كما كل نهار كان عملي ينتظرني لكن أمي استوقفتني لتزف خبر اختيار عروس لي، كانت جميلة القرية رغم أن القرية تعج بالجميلات، صاحبة الخلق والجمال، لم أمانع اختيارها، بل رحبت بقرار أمي، حتى أن قلبي ودارُنا رقص فيهما كل شيء حين علت زغرودة أمي فرحًا بالعروس ابنة الجيران لي .
اتصلت أمي بالجيران لتحديد موعد زيارتنا لهم، كان الزيارة في اليوم ذاته، اتجهنا إليهم عصرًا، وتفاجأت أننا في أسبوع كنا متفقين على كل شيء تقريبًا .
كانت الأمور ميسرة بشكل استغربته، وأردت تفسيرًا له، لكنّ فرحتي بالعروس ألهتني قليلًا عن التفكير الكثير كعادتي .
بعد أن خطبتها بشكل رسمي من أهلها، وصلتني صورة أبي عبر البريد، لم أعرف من المرسل، كان مكتوبًا عليها "بعد أيام ستعرف من قتل والدك"، أشعلت قلبي، لم أقاوم الدموع تسيل عليها، كنت أريد أن يفرح بي، وأن يرى أولادي، مات غدرًا، ولم يعرف قاتله بعد، لم أفكر بالعروس كثيرًا في الأسبوع الأول، فكرت فقط به وبهذه الرسالة، وانتظرت مرسلها لأعرف من قتل والدي .
بعد شهر من خطبتنا التي كنت أشعر أن فيها شيء غريب ليس صحيحًا، وصلني أن أحدًا من عائلة خطيبتي كان طرفًا بعيد في عملية قتل أبي، حين سمعت ذلك، كانت الأرض انطبقت على السماء، والشمس احترقت وكأنها القيامة، عرفت وقتها سبب الغرابة، وقررت فضّ الخطوبة دون أي تحقق من هوية من جاء بالرسالة، الذي تبين لي بعد سنوات أنه كاذب. ذلك الكاذب الذي كره سعادتي، لعنه الله !
عندما قررت فضّ خطبتها، لمْ أستطع التفكيرَ في توابع الأمور، كنتُ أريد الخلود بعيدًا عنها، لم ألتفتْ لجمال الحياة، ولا لفلسفة الكون، تركتُ السيف يحكم قلبي، وجمّدت عقلي عن التفكير في الآخرين .
ضجرت السماء مني، فشعرت أنها سوداء منذ ذلك اليوم، حتى بعد أن تزوجت وأنجبت أطفالاً، وأصبحت في الأربعين من عمري،
والجميلة لم يتقدم لخطبتها أحد من وقتها بسببي .
عندما افتتحت  القهوة الكبيرة في حيّنا، كان الجميع مبتهجًا، والفرحة كانت فرحتين، الأولى أنني افتتحت القهوة، والثانية أن ابني أتى الدنيا بعد سنوات عشرين من زواجي .
شباب الحيّ لم يكفّوا رقصًا، والصبايا كنّ يحملن الورود يرششنه من فوق السطوح عليهم. أمام المكان رأيت سيّدة العجوز ترتقبُ السماء، تدعو الله أن لا تمطر اليوم على الزبائن، لم تمطر السماء، واستجاب الله لدعوتها الأولى، ولم يخيّب ظنّها، فاستجاب الثانية.
في الغد، لم يستطع عمال القهوة الجلوس لحظة، البن نفذ، كثيرون شربوا القهوة اليوم، كثيرون جدًا، وكلهم تمنّوا لي الثبات والصبر على موت ابني الكبير صباحًا، وعلى احتراق باب القهوة، و في الزاوية، العجوز نفسها تراقب تحقيق دعواتها .
اقتربت منها، اعتقدت أنها تريد صدقة، عرضت عليها الصدقة فرفضت، طلبت منها الدعاء صمتت، سألتها التعريف عن نفسها، أجابت بأنها أول البكاء، ابنة القرية، مترامية الآلام والأحزان، وضحية الأيام، ثم ذهبت.
لم أفهم من هي، ولم أعرفها، وأكملت ترميم القهوة وحيدًا.

هناك 27 تعليقًا:

  1. راااائعة كروعة قلمك ,, قصة جميلة مريم ..
    استمتعت كثيرًا بها .

    ردحذف
  2. وجّعتيني !

    ردحذف
  3. قصة رائعة جدا ,, هاد الظلم و عواقبه ,, دام ابداعك مريم :)

    ردحذف
  4. حلو يَ مريم ،
    أي نعم كمآ سميتها قصة قصيرة لأنها مختلفة تماما عنهم !
    استمتعت بقراءتها وعشت موآقفها هذه المرة و أعجبتني
    كل التوفيق :)

    ردحذف
  5. شيقة .. مؤلمة :)

    موفقة عزيزتي :)

    ردحذف
  6. طيب هيا العجوز نفسها الجميلة؟؟
    جميلة القصة بأحداثها
    واسلوبك الرائع بارك اللله فيك

    ردحذف
  7. ياه يامريم..
    وأنا أقرأ تذكرت درويش عندما يكتب شعره بالرموز..المفاجئ دائما أنك تفاجئيني في اللحظات التالية بالفعل..
    وكأنك تخدعين القارئَ بأن يظنَ أمراً مغايراً للأمر الموجود في القصة ..
    أحببت القصة :)

    ردحذف
  8. قصة رائعة مريووومة ....مؤلمة
    موفقة يا حلوة :)

    ردحذف
  9. قصة جميلة ومفيـدة.,هآد آخرة التسرع وظلم نآس بريئة ^^ بالتوفيق مريم :)

    ردحذف
  10. جميلة جدا ♥ ♥

    ردحذف
  11. القصة جميلة جدا واسلوبك اجمل موفقة مريوم^-^ اخيرا وصلت ههه

    ردحذف
  12. مش متأكدة انو قرأت كل ملاحظاتك قبلا ،، لكن هدي جذبتني جدا بمجرد ما شفت البوست الي في جزء منها بجد انتِ رائعة وكتابتك راقية جدا ومعبرة بشكل كتير حلو ومؤثر ، حارت فيك كلماتي يَ مريم !

    ردحذف
  13. في التاني السلامة وفي العجلة الندامة

    ردحذف
    الردود
    1. حكم قلبك في امر وحكم عقلك في كل الامور

      حذف
  14. ابدعت مريم بالقصة الاكثر من رائعة

    ردحذف
  15. احساس غريب جداً راودني عندما قرأتُ ما خطّت يداكِ مريم ،
    رآئعة : )

    ردحذف
  16. جميلة يا مريم
    من أين لكِ بهذا القلم الجميل؟
    دمتِ ودام ابداعك
    :)

    ردحذف
  17. ليس جميلاً ما قد خطَّه قلمكِ هنا يا مريم..
    أبداً ليس جميل؛
    بل هو وصف لا يمكن وصفه!
    وكأني لأول مرة أبتسم ابتسامة اعجاب
    مصقولة باعجاب
    تقطر اعجاباً
    مغردة به..!!!!
    تلاحقُ أفكار ليس بالمعتاد
    التفافات مرنة بشكل يصعب توقعه
    لا أعتقد بأني متعجبٌ من إعجابي
    بل أنا معجبٌ بعُجبِ قدرتكِ على الإعجاب..
    يبدو انني سأتابع ما تنقشيه هنا مريم..
    وفقكِ الرحمن..

    ردحذف
    الردود
    1. يا "مسلم"، أسعدني وجودك هنا، وأسأل الله أن أوفق دائمًا في كتاباتي أمامكم ..

      حذف
  18. مؤلمة...
    احيانا نفرك بأنفسنا واننا مظلومون وننسى الاخرين فنقع في ظلمهم ونحن لا ندري
    :(

    ردحذف
  19. يسعدنى انى اكون من متابعينك

    ردحذف

أدلي برأيك هنآ :)

صالون نون الأدبي

هذا كان حوار الجلسة الراقية التي شاركت فيها كضيفة في صالون نون الأدبي للمرة الثانية . كان لقاء ممتعًا ومثمرًا وتناولنا فيه عددًا من المح...