26‏/08‏/2012

اعرف الله؛ تعرف نفسك


الحياة جملة من مواقف، يعيشها أناس كثيرون في بقاع مختلفة، بعقول ونفوس بعضها معقدة وبعضها سلسة، قد تكون مفهومة أو لا، وهذه هي فلسفة الحياة، أنها تصعب على البعض، وتسهل على آخرين، ولو فكر الإنسان فيها وفي تعقيداتها قليلًا؛ لأدرك ما تريد الحياة منه، وما يريد هو من الحياة، لا أستطيع الجزم بأننا في يوم من الأيام سنفهم كل ما نمر به، أو سنعرف طريقة التعامل الصحيحة مع المواقف، إلا أنني أستطيع أن أجزم أن الله منحنا عقلاً، سخره لنا لنبحث أولاً عن الله، وعن ذواتنا ثانية، منا من يجد ذاته قبل أن يجد الله، ومنا من يجد الله قبل ذاته، والأخير يكون الله حباه بنعمة لو شكره طوال حياته عليها لن يوفيه أجره.

طبيعة الإنسان أنه يحتاج ونيسًا وملجأً يتابع خطواته وأفعاله، ويصوب مساره، ويعينه على حاجياته، ويقف معه إن احتاج سندًا، ويغفر له إن ارتكب ذنبًا، ويطيب قلبه إن امتلأ حقدًا، ويكون مرجعيته إن تاه في الطريق، وما أعظم أن يكون "الله" هو الونيس والملجأ والمصوّب والمعين والسند والغفور واللطيف والمرجعية !

لم يخلقنا الله لحاجته لنا، هو لا ينتظرنا نعبده حتى يعلو شأنه، ولن نضره أو ننفعه شيئًا إن عبدناه وأطعناه، فالله مالك الملك، وصاحب الحياة والآخرة، والمتصرف بأمرنا وشأننا، والله القوي القادر على إحيائنا وإماتتنا، والله هو الذي يحبنا، وهو مجيب دعائنا، والرحيم بحالنا، والمقدّر لأحوالنا، فلمَ لا نحبه على ذلك؟ ولمَ لا نطيعه إن أمرنا؟

عندما تتالى على الإنسان المصائب والكوارث، التي قد يسيء فهمها، ويعتقد أن الله لا يحب بني البشر فيفعل بهم هكذا، سواء إن أصابه مرض أو علة في نفس أو صحة، أو أصيب في مال وولد، أو لا يستطيع اختيار دروبه، يبتعد عن التفكير في النعمة الأولى له،  أنه سمح له في الوجود، وأقصد بالوجود أي المجيء إلى الحياة، فكان بمقدور الله أن يكون أي أحد فينا "عدمًا"، لا وجود له، وأما النعمة الثانية أن خلقه على هيئة "إنسان"، لم يجعله أي "دابة" مهانة أخرى، الله قادر على أن يخلق أي شيء، فلو فكرنا قليلًا في هاتين النعمتين لأتعبنا العقل في البحث عن وسيلة للحمد والشكر.

 يجب أن نفهم وندرك أن الحياة كلها، بعظمتها في أعيننا، وما فيها من زخارف الدنيا، بلاد عريقة وحضارات، أبراج وناطحات سحاب، طائرات وسيارات، أموال وشهرة، أصدقاء وعائلة، كل ذلك لا يزن عند الله جناح بعوضة، فالأرض ومن عليها لا يشكلون نقطة من فضاء، ولا تقارن بما سيناله الصابرون المجدّون المتوكلون القادرون من جنان خلد ونعيم مقيم، ولذة وطيب، فما الدنيا إلا طريق نعرف فيه الله، ونعرف فيه عظمته، ولا حاجة له منها أو فيها، نحن نعبده لأننا نحبه، ونطهر قلوبنا حتى يسكن فيها، ونطهر عقولنا من كل الأهواء، فإذا عرفناه حق معرفته، عبدناه حق عبادته، وإذا أحببناه نحن أحبّنا هو، وأحبّ لقاءنا، فواللهِ لا أعظم من رؤيته، صانع كلّ شيء، ومصرف كل أمر.

هو الله، اعرفوه ستطيعونه، واعرفوه يسهل عليكم معرفة ذواتكم، وسبب مجيئكم للحياة، ولا تعبدوه وأنتم كارهون فلن توفوه أجره، وإياكم وغضبه فهو لا يستحق منا إلا الطاعة والحبّ .

هناك 13 تعليقًا:

  1. الله سبحانه وتعالى أنعم علينا بأنعم كثيرة جدا !
    فالله سبحانه وتعالى انعم على هذا نعمة تميزه عن هذا
    و كل انسان لديه ما يميزه عن غيره
    ولكننا دائما ننظر ليد الغير !
    فيجب علينا ان نعرف ذاتنا حتى نقنع بما فيها
    و لنعرف ذاتنا يجب ان نعرف الله أولا !
    تدوينة جميلة جدا مريم بالتوفيق :)

    ردحذف
  2. بارك الله فيكى مريم

    قال ابن القيم "رحمه الله" :
    إذا أصبح العبد وأمسى وليس له همّ إلا الله وحده ,
    تحمَّل الله سبحانه حوائجه كلها ,
    وحمل عنه كل ما أهمّه , وفرغ قلبه لمحبته ,
    ولسانه لذكره , وجوارحه لطاعته .
    وإن أصبح وأمسى والدنيا همّه,
    حمله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكله إلى نفسه ,
    فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق , ولسانه عن ذكره بذكرهم ,
    وجوارحه عن طاعته بخدمتهم و أشغالهم ,
    فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره ,
    كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره .----- تحيااااتى

    ردحذف
  3. الله سبحانه وتعالي من علينا بنعم كثييرة
    ومنها انه خلقنا في صورة حسنة حتى يميزنا
    عن باقي خلقه ..
    وبالفعل كما قالت لارا أننا دائما ننظر ليد الغير
    وليت الجميع يتخلص من هذه العاادة
    لأن الله يأخذ من عبده شيئ ويعوضه بشيئ اخر وليتنا نعلم هذا الشيئ
    تحبااتي الك مريم ....موفقة
    دمتِ متألقة <3

    ردحذف
  4. تاهت كلماتي بين جمال وروعه تعابيرك .. حفظك الله وادام مواضيعك الطيبة ..

    تبارك الله والحمدلله على كل حال :)

    ردحذف
  5. غدير علاء ابو عمروالأحد, 26 أغسطس, 2012

    اه كتير الموضوع حلو حتى ان اللله سبحانه وتعالى ميزنا عن بقية الخلق وايضا قال متولي الشعراوي لا يقلق من كان له اب فكيف يقلق من كان له رب

    ردحذف
  6. الحياة جميلة بكل معانيهاولكن أين من يفهمها ...كلماتك أكثرمن رائعة

    ردحذف
  7. بارك الله فيكي كلام رائع :)

    ردحذف
  8. كلام غاية الأهمية والجمال
    بارك الله فيكِ مريم ^^

    ردحذف
  9. من الجميل أن نردد دوماً "الحمد لله"

    أعجبتنى لغة المدونة وصدق التعبير وبلاغته.. وكذلك ما شد انتباهى سلاسة الانتقال بين الأفكار والفقرات فى النص..

    دمت ودام قلمك^^

    ردحذف
  10. انتي جميلة في هذه الكلمات الرائعة..وحمدا لله انه انار عقولنا وارانا الصواب..وبارك الله فيكي يامريوم/فاطمة السويركي/

    ردحذف
  11. جازاكي الله خيرا وجعله في ميزان حسناتك ...
    الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله
    اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما تنفعنا به ...

    ردحذف
  12. تسلمي على روائعك
    جزاكي الله كل خير

    ردحذف

أدلي برأيك هنآ :)

صالون نون الأدبي

هذا كان حوار الجلسة الراقية التي شاركت فيها كضيفة في صالون نون الأدبي للمرة الثانية . كان لقاء ممتعًا ومثمرًا وتناولنا فيه عددًا من المح...