29‏/07‏/2012

ليلة في السجن || مريم لولو


كنت اليوم في تصوير للبرنامج التلفزيوني "هذا ديني" فكانت الحلقة عن الأسرى وعيشهم، نصّي" ليلة في السجن " لم يفارقني لحظة خلال الجلسة..
سانشر الحلقة بإذن الله وقتما تعرض، أشارككم مرة ثانية "ليلة في السجن" ..
(1)
باردة جداً هذه الليلة، نسيت شمس النهار أن تدفئ قلب الجدار، ما عادت تزورني كثيرًا هذه الأيام !
كانت ساعتي الأولى منها مليئة ببكاء ابني، لا يريد النوم إلا في حضني، لكن نعاسه غلبه وحاصرني، ونام هناك حيث الحضن في أحلامه وأحلامي، نام بعيدًا عني وليلي، بعد النجوم للنجوم !
فحين لا يعرف الابن أباه، فقط يذكر صوته عندما كان جنينًا،وهو يتساءل عن متى سيكون ابنه في الحياة ويعلمه ما تعلّم، ويُحمّله اسم والده ،الابن لم يره ويكره أن يشعر أنه لن يراه، لكنه يحلم به كل يوم، ويرسم له كل يوم صورة أجمل من الأخرى، ويغني له، ويتعلم لأجله. ماذا يتبقى دون ذلك من حب ؟

(2)
خرجتْ متأخرة نجوم سمائي،أوقدت سراج قلبي، وأشعلت نيران فؤادي، قليلًا دفّأتني، لكنها أصرت على حرق آخر ما يحويه قلبي، فالشوق لهم يعذبني، والشوق لي يؤرقني.
وصلني الآن صوت ابنتي، التي كثيرًا ما تجتاحني، كنت قد دللتها وربيتها وكبّرتها وسمعتها وسمعتني، أحياناً كانت تسأم نصائحي، لكنها سرعان ما تؤول إلى رأيي، فلا أنعتها إلا بأرق جورية على قلبي.
الآن، أسمعها تئنّ وتبكي، ثم تئنّ وتبكي، كم ألهبني صمتها في بعدي !
حين تنتظر البنت متى تكون زهرة بستان أبيها، بل ومتى يرويها من عقله وحكمته، ومتى يأتي لتقبله ذات القبلة التي تقبله إياها قبل أن تنام في الهواء ! ، تنتظره لترتمي في حضنه الذي كثيرًا ما سمعت أنه يكون حضنًا دافئًا لا مثيل له . ماذا يبقى دون ذلك من حب؟

(3)
 والداي وإخوتي حاضرون الآن بقوةّ في لحظاتي،اللعبة"فُتت"، والقهوة صُبّت،وأبي وأمي لا يفتآن دعاءً لي،وقلبهما لا يملّ بكاءً على بعدي.
فحينَ يضلّ الأب خد ابنه ليقبله، وينسى كم مرة التقى به منذ أن أذن في أذنه، ويأخذ يتذكر حين كان يحمل عن ظهره الفأس ويعمل، ويتسامر مع ذكرى الليالي التي قضاها وهو يعلمه. حين يحيا العشق في قلبه لابن لم يره إلا سنين قلة مقارنة بالسنين التي يقضيها أب مع ابنه .
حين تضلّ الأم كم شعرة بيضاء نبتت فوق رأس ابنها، أو كم مرة تعارك مع دمعه الذي لا يحنو عليه في نزوله إلا في حضنها، حين تبقى تتحدث للآخرين عن الصبر وله عن الصبر وقلبها لا يطيق جداره من لوعة الشوق، ومن الشوق والشوق والشوق !
ماذا يتبقى دون ذلك من حب ؟


(4)
توقفت برهة،لا أستطيع إعمال أي شيء فيّ،بعد الساعتين تلكما،أخذت أعدّ خروق جدار زنزانتي،وأتأمل صديقًا نائمًا قربي،تحت نافذة عالية صغيرة لا تُدخلُ إلا رسائلَ عذاباتي،بُترت يده قبل انتقاله عالم الأسر صديقي،صفنت فيه وفي قلبه،لم أستطع تفسير ابتسامته،تساءلت أهي رضًا دائمًا؟أم سببها منامٌ احتضره ويهذي ؟ !
شفتاي لم تقاوم ما تشاهده عيناي،واكتسبت ذات الابتسامة دون استئذانٍ مني.

(5)
آه،الآن أكون في حضن زوجتي،تلك من سكنتني،واحتوتني،الآن تسامرني على ضوء القمر،الذي شربت معها من ضوئه شراب الحب القديم،عاهدتها وعاهدتني،ولا زالت وزلت على ما تعاهدنا.كلّ ليلة كانت تواسيني.تهدئني.تشفي سقمًا أصابني.وأحياناً قليلة تُضجرني،لكنّ فؤادينا الطاهرين تشبعا حبًا وصفاءً،فسكن اللهُ فيهما ،أراحها وأراحنيْ .
حين تضجر الساعات بل اللحظات من تعداد تلك المرأة لها، المرأة التي لم تعش أجمل من أيامها معه، والتي كانت تحلم به وببيت وأولادٍ ودفء وروحٍ ساكنة، حين كان قلبها يُسقى بوصاله ووجوده، ولم يتبقَ لقلبها الآن سوى الدمع، والرجاء.ماذا يتبقى دون ذلك من حب ؟

(6)
كلّ شيء هادئ هذه الليلة-على غير عادته-،لربما ذلك لأن ابني أتعب جفون الليل من بكائه فنوّمه،أو لأن ابنتي ملأت أزقة الليل دموعاً فأغلقتها،أو لأنّ جرحى وطني كثيرون فأرادوا السكون قليلًا،أو لأن زوجتي تفكر الآن فيّ وتتأملني!
أجل ،أنا أراها الآن،وأرى ابني وابنتي،بيتي وأهلي،أرى جيراني وأصدقائي،أرى وطني .
أراهم بعيون فؤادي،أشتاقهم وشوقي يؤلمني،فيا ليلي كفاكَ ،ويا ليلتي انصرمي، ويا زمن الأوجاع يكفي !


هناك 7 تعليقات:

  1. من أكثر النصوص تأثيرًا بي ..
    مريم أنت أكثر من رائعة
    وإحساسك أكثر من مميز.
    أسال الله لك التوفيق والزيادة في الإبداع والتميز .

    ردحذف
  2. رااائع هذا النص !

    ردحذف
  3. ما أجملك !
    وما أحلى كلمك، لا فض فوك يا مريم.
    يا رائعة

    ردحذف
  4. ‫رائع جدا دوما متالقة مريومة‬

    ردحذف
  5. زنزانة..قضبان..وسجين..
    آهات يصرخها لكن بصمت..
    أوجعتِ قلبي..كأنني سجينة في ذلك السجن العنيف..
    مريم..ما أملك لا يصف ما فيّ بعدما قرأت..

    ردحذف
  6. قوية اللغة ورائعة النسج والسجع .. والنصّ مؤلم والواقع أشد .. دمتِ متألقة يا مريم ..

    ردحذف
  7. البرنامج رائع و تدوينتك أروع و انتِ الأروع ... استمري

    ردحذف

أدلي برأيك هنآ :)

صالون نون الأدبي

هذا كان حوار الجلسة الراقية التي شاركت فيها كضيفة في صالون نون الأدبي للمرة الثانية . كان لقاء ممتعًا ومثمرًا وتناولنا فيه عددًا من المح...