14‏/07‏/2012

ثوبٌ أبيضٌ

استيقظ قبل الجميع، بل هو الوحيد المستيقظ الآن، لم يرَ الشمس مشرقة، الليل أسدل رموشه على عينيه دون أن يدرك الوقت، كان قد لمح الشمس قبل قليل فتساءل أن كيف لها أن تغيب قبل خروج النهار ؟!
أخذ يبحث عن النهار، ظن أنه لا يزال يأخذ غفوة بسيطة بعد نوم طويل، خرج من منزله، لم يرَ بائع الكعك، ولا قهوة الحيّ مفتوحة، تفاجأ بأنه لم يلتقِ بجارته بيضاء الشعر تروي زهور حديقتها، مع أنها طالما وبخته لأنه يطيل النوم ولا يستيقظ نشيطًا، فها هي اليوم أطالت النوم.
نظر إلى ساعته، إنها السابعة والنصف، تبقى للمحاضرة نصف ساعة وتبدأ، دعا الله أن يصل على الوقت وأن لا يعيقه ازدحام السيارات، حتى لا يتعرض لإهانة من أستاذ جامعته.
لم يجد سيارة تقلّه إلى جامعته، فقرر الركض بسرعة عله لا يسمع توبيخًا من المحاضر في جامعته.
كان يركض بسرعة جنونية، دخل شوارع فرعية كثيرة، ووقع على الإسفلت عدة مرات، وتعثر بحجارة وأخشاب مستلقية على الأرض، لم يأت العمال لرفعها منذ دهر، وصل شارعًا فرعيًا ضيقًا، لاحظ أنه لم يقابل أحدًا في طريقه حتى هذه اللحظة، ولا حتى قطة من قطط الشوارع السوداء، ولم يسمع أغنية من أغاني العم إلياس صاحب القهوة والشاي.
لم يهتم كثيرًا، اعتقد أنّ الجميع اليوم مريضٌ وتأخر في نومه، هكذا كان يفكر وهو صغير، عندما كانت العمّة إيمان توقظه قبل أن يصيح ديكهم، أن الجميع مريض مستلقٍ على فراشه وقربه كأس من البابونج ويسمع القرآن.
 لا يزال يركض، ولا تزال الشمس مختبئة، وهو يبحث عنها دون أن يعلم ذلك، إنه يجري منذ ساعة، ولم يتعب بعد، ويشعر أنه مرتاح جدًا، ولم يحتاج لماء لأنه لم يعطش كذلك.
ابتعد عن بيته كثيرًا، والجامعة لا يراها، وكثير من مباني المدينة غير موجودة، والسماء لا تزال سوداء منذ أكثر من ساعة، لم ينظر بعد للأرض، زجاجة دخلت قدمه اليسرى أجبرته على أن يوجه نظره للأسفل، حنى رأسه، وقفت العينان صامتتين دون حراك، لم يرَ قدميه، رأى لونًا أحمر قانيًا يملأ الأرض، وتسلل إلى قدميه، وتسبح فيه ما لا يستطيع احتمال رؤيته، شخص عينيه في زاوية عند جدار قريب استند عليه حتى لا يقع، رأى فيها وجه طفل يبتسم، مغمض العينين، لم يرَ من الحياة ما يجب أن يراه، ولا يتحرك..
لم يستطع البكاء على صورة الطفل التي حرقت قلبه، ووقف لحظات صامتًا، ثم عاد لينظر إلى ساعته ليعرف الوقت من جديد، لم يجد الساعة، تذكر أنه خلعها قبل أن يحضر أناس ألبسوه بثوبًا فاح منه ريح مسك، ثوبٌ أبيضٌ بياضَ الغيوم ...

لم أكتب لسوريا شيئًا منذ أن بدأت ثورتهم، لأني كنت عاجزة تمامًا عن وصف بكاء القلب ..
 بكيت جدًا بعد أن قرأت هذه القصة ثانية ..اقرأوها، وقولوا لي آراؤكم بها ..

هناك 10 تعليقات:

  1. جميلة يا مريم ..

    وحزينة تشبه حزننا على سوريا وأهلها ..

    أعانهم الله على بلواهم ..

    ردحذف
  2. اللهم فرج همهم يا رب العالمين وان شاء الله تبزغ شمسهم من جديد لعل أحد يتحرك او يشعر بما يعانيه هذا الشعب وصبره واحتماله على واقعه الصعب والقصة رائعة وجميلة سلمت اناملك مريم

    ردحذف
  3. صفاء السوسيالأحد, 15 يوليو, 2012

    مبدعه كما عهدتك
    ماشاءالله عليكِ

    ردحذف
  4. حقاً مؤثرة جداً ... الله يفرج عنهم يا رب
    و سلمت يداكِ

    ردحذف
  5. مؤثرة يا جميلة ,,, :)

    ردحذف
  6. حقاً مؤثرة جداً ... الله يفرج عنهم يا رب
    و سلمت يداكِ

    ردحذف
  7. مـريـم
    قـصـة مـؤثــرة لآمسـت قـلـبــى دون إذن
    بالتوفيق و بوركـتِ جميلـتى :)

    ردحذف
  8. ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت اظنها لا تفرج يا رب تفرجها تسهلها معنا يا رب
    رائعة يا مريم
    فعلا مؤثرة

    ردحذف
  9. رائع جدا لامسست القلوب بششدة

    ردحذف
  10. كان الله بعون أهل سوريا
    والله ان القلب لينفطر حزنا على ما أصابهم ولكن مادام الله معهم فلا أحد عليهم باذن الله
    وبشر الصابرين

    ردحذف

أدلي برأيك هنآ :)

صالون نون الأدبي

هذا كان حوار الجلسة الراقية التي شاركت فيها كضيفة في صالون نون الأدبي للمرة الثانية . كان لقاء ممتعًا ومثمرًا وتناولنا فيه عددًا من المح...