09‏/06‏/2012

صراعٌ فقير

قبيل الفجر، خرجت روحُه لمكانها الأصليّ، لا أدري هل استأذنته أم باغتته، لكني أعلم أنه لم يكن مستيقظًا من سكراتِ الحياة بعد.
قبل يوم نثرت الشمس أشعتها عليه مبكرًا ،دخلت غرفته غير مستأذنة، وتجاوزت ستائر الشبابيك بعد زجاجها لتخترق عينيه، بدأت رجله اليمنى تزاحم  الأخرى تريد إيقاظها، لكن عقله لا يزال يعيش راحة من التفكير والتعب والمشاكل، فظن المزاحمة مداعبة بين الرجلين .
الجوّ بارد إلى حد ما ، وحيطان الغرفة لا زالت تنعم بساعات نوم منذ أن بُنيت ، لكنها تشعر بالبرد فهي لم تُدهن بعد !
وضع يده على الطاولة التي بجانبه،والتي تحمل مُنبّهًا قديماً كان جده قد أهداه إياه، أو بالأحرى كافأه على عمله بدلاً منه في دكانه لأسبوع يسافر فيه إلى بلدة قريبة ويعود.
كان يريد معرفة الوقت إن كان يجب عليه الاستيقاظ الآن أم لا بأس بغفوة قليلة تمتد دقائق، لكنّ صوت صاحب المنزل لم يدعه يفكر في فرصة للنظر إلى المنبه، قوانين المنزل تقضي إلى عاداتٍ ظالمة، الساعة السادسة يستيقظون، والسادسة والنصف يرحلون، وهم كذلك مجبرون على القبول بها، فهاذا المنزل من أرخص منازل المدينة ..
بخطوة جريئة منه قام برفع البطانية شبه البيضاء عنه، وانتفض نفضة واحدة مستعدًا ليوم شاق وطويل، لم يرتب فراشه، لكنه رتب شعره قليلاً، وقليلاً من العطر زيّن به وجهه الشاحب، لبس قميصه المقلّم وبنطاله المرقّع، وأخذ كتبًا على الطاولة كان ينحت عليها ويقرأ منها في ليله الطويل، لكنه لم يجد أقلامًا يكتب فيها فاستعد إلى حياكة كذبة على زميل له،وتظاهره بضياع حافظة أقلامه في التاكسي الذي انتقل فيه، والتاكسي أيضًا كذبة داخل هذه الكذبة، فهو لم ولن يستطع ركوبه إلا إذا كان طريق صديقه من طريقه !
تسلل إلى سلم المنزل ، ثم إلى بابه قبل أن يراه أحد ويطالبه بغسل صحون أو شطف درج، أو نشر غسيل، فهو دائمًا يتحجج أنه طالب يحتاج الراحة، ويريد أن يعود إلى منزله للراحة وليس للعمل .
نجح في الهروب من أعمال المنزل هذا النهار، لكن لم ينجح في نسيان دموع ليلاه، أغلق الباب الحديديّ ووقف هنيهةً من الزمن يتألم، ثم نفض عن روحه الأحاسيس التي لا يؤمن بها، ويعتقد أنها مضيعة لأوقات كثيرة في الحياة، مع أنه لا يدرك أنه أكثر الناس إحساسًا !
كان لا بد له أن يتحرك، أخذ يمشي ويحكي مع كل من يراه، بالطبع أغلب سكان مدينته يعرفونه؛ لأنه لم يترك أحدًا إلا وساعده في زمنٍ ما.
-"أيها الغبي".
 لم يردْ أن يعير انتباهًا للذي صرخ بهذه الجملة، حتى لا يعتقد الناس أنه غير واثق بذاته، فهو يتعلم وليس غبيًا، ثم إنه لطالما قال أنه لا غبي في هذا العالم. لكن الصوت تكرر، وهو في اتجاهه تمامًا، أخذ يتساءل أيلتفّ ويرى من الذي يصرخ أم يكمل مسيره ؟
-"يا صاحب البنطال الممزق".
 هذه علامة أخرى لتثبت أنه يعنيني !
-"ومتعطر أيضًا ههه ".
 طفح الكيل، سألتف.
وبمجرد التواء رأسه قليلًا، لمح وجهًا مخيفًا فيه من القذارة وعلامات الشر الكثير، ومر أمامه تصورات كثيرة لما سيحدث له إن حادثه، فآثر أن يعود لمسيره الطبيعي ولا يعيره اهتمامًا.
اغتاظ الرجل كثيرًا، وعيونه أخذت تطلق شرارة حقد تحرق من يفكر النظر إليها، وصرخ:
-"أيها الغبي، قف وحادثني ! ".
لم يتبق لوقت بدء محاضرته سوى دقائق، أيقفُ ويرى ما بالرجل من علّة ؟ خصوصًا أنه أثار فيه تطلعًا لمعرفته !
وقف واتجه نحوه وسأله أن ماذا تريد، قال له :
-" يا رفيق الغباء، أنا لا أعرفك ولا أنت، لكن كلينا غبي" وضحك ضحكة تهكمية قذرة
أخذ يحملق به يريد أن يعرف مقصده !
أكمل الرجل:
-" ومنذ أشهر وأنا أراقبك،أنا أشفق عليك، لن تصبح ما تريد يا هذا إن بقيت على حالك،ما فائدة دراستك إن لم تحصل على وظيفة بعدها؟ ما فائدة عملك إن صرفته كاملاً على مسكنك فقط ؟ ما فائدة حب الناس لك وهم لا يفيدونك بشيء ؟ اركن الأخلاق جانبًا، وكن مثلي أو أقل، قد تكون سارقًا، كذابًا، مخادعًا، منافقًا، وستربح المال الكثير" . 
لم يفهم أي كلمة من كلماته، لكنه اضطر أن يتذكر كيف قتل والده في الصحراء، وكيف ماتت أمه من المرض، وكيف تخلى عنه أعمامه خشية النفقة، خرجت من قلبه أشياء لا يعرف ما هي، ولم يعتد على ملامستها، خطرت في باله كلمات كثيرة، "الكره، الحقد، الموت، المرض،الغباء، السرقة " !
رفع نظره ليكمل حديثه مع هذا الرجل، لكن لم يجده، لقد اختفى وتوارى وأيقظ كرهًا كبيرًا للحياة في قلبه.
كان واقفًا وسط الطريق، مر حوله كل الناس يرفعون أيديهم له ليحيوه، لم يرَ أحدًا منهم، فقط كانت صورة والده ووالدته ومن كان السبب في قتلهما يضحكون أمامه، تحركت قدماه بثقل كبير، مشى ومشى ومشى، وراح يفكر أن لماذا خصه الله بهذه الابتلاءات؟ ولمَ ولدتُ فقير النصيب، وكيف لقلبي لم يعش بعدُ قصص الحب، هل قلبي ناقصَ حجرة الإحساس؟ ما فائدة دراستي التمريضَ وأنا لا أستطيع تمريضَ نفسي ؟ هل الحياة تلعب معي لعبتها الغبية؟
هلكه التفكير، وصار كالذي يخبط في التيه لا يدري الطريق، لم يذهب لكلّيته،وكذلك لم يذهب للحياة اليوم، قرر زيارة المقبرة، وتملّق دور ابن قبر كان يحب أن يراه، وحدسه يقول له أن صاحب القبر يشبه والده الذي لم يحظَ بقبر لضيق الحال !
تكحلت السماء بالسواد وهو لا يزال قرب القبر، حتى أنه نسي الصلاة، استغرب أصحاب المقبرة حاله وقرروا الذهاب إليه وإرجاعه منزله ففي هذا الوقت تمتلئ المقبرة بالكلاب والذئاب.
استطاعوا إعادته المنزل، عقله لا يزال يفكر، تعب جدًا وأُرهق،وأخذ يدعو ويقول : يارب، خذني إليك، تعبتُ أكل البعض لحم الآخرين، لا أريد حياة من دون حياة، خذني إليك إن كان في ذلك خير لي، نامَ ولم يعلم أن نومته تلك ستكون أبدية، نام ولم يستيقظ رغم أن الشمس كانت قوية، واخترقت عينيه.
ومات موتته الكبرى ...

هناك 24 تعليقًا:

  1. رائعة ياميمو دائما متميزة بابداعاتك وتألقك دمت ودامت كتاباتك ^ـــ^

    ردحذف
  2. رائعة ياميمو دائما متميزة بابداعاتك وتألقك دمت ودامت كتاباتك ^ــ^ >>> شهد

    ردحذف
  3. رائعة يا مريم.. افكارك الرائعة تتسلل الى عقولنا بكل سلاسة وبساطة ..
    مشكورة :)

    ردحذف
  4. مريم، لمَ أشعر أن الحزن يعتريكِ هنا ؟
    أتمنى أن تكوني على أحسن حال .
    قصتك هذه لا أستطيع وصفها، وأنتِ تعلمين لمَ، أتمنى لك النجاح يا صغيرتي الكاتبة

    ردحذف
  5. بجد رآآآئــعه جدا جدا جدا :)

    ردحذف
  6. مريم .. روآية رآئعة بكل ما تحمله من معانّ .. دمت , ودام تألقك :)

    أمل داود ..

    ردحذف
  7. غاليتي مريــمـْ ..

    اعتراني حزنٌ كبيرٌ و أنا أقرأ قصتكِ الجميلةَ هنآا ..

    قصةٌ جميلة ،
    موضوعها اجتماعيّ بحت ،
    أعطتني فرصةً كبيرةً لتخيّل كلّ حدثٍ فيها ..

    لي تعليقٌ آخر ،
    و لكن بعد أن أنتهي مما أنا بصدده ..
    فأنا مشغولةٌ حاليًا ،
    أحببتُ أن أخبركِ أنني مررتُ من هنآا ..

    تحيآاتي لكِ ..

    ردحذف
  8. عندما بدأت في القراءة تمثل المشهد أمامي حقيقةً..
    بدأت الأفكار في مخيلتي تذهب لمعان وأفكار..دهشني ذلك الرجل الذي أوقفه..أعجبت بكل مافيها..لأن تلك الكلمات لم تكن فقط ككتابة لكن حقا وجدت أمامي أو حتى أني تقلدت شخص ذلك الشاب..
    كادت القصة أن تخترق داخلي بعد أن لامسته..ربما لأنني شعرت بذلك الواقع الذي اعتاشه الشاب..

    ردحذف
  9. يَ الله !!
    حقاً قصة تقشعر لها الأبدان ... :( وخاتمتها حزينه :(
    مؤلم جداً أن لا نهتم بكلام الناس لأننا نعتقد أننا شيء , وعندما يزيد فضولنا ونريد أن نعلم ماذا يقصد الناس حينها نيقن أننا لا شيء :(
    يجب على الإنسان أن يرضى بماقسم الله فقط , ولا يعير كلام الناس كل الأهميه .
    والله يبتلى الإنسان بقدر حبه له كلما كانت درجات الإبتلاء أعلى كلما كان حب الله للشخص أكثر .
    مريم♥ قصتكِ جميله جداً محبوكة من شتى النواحى .
    دُمتِ كـآتبه مبدعه
    إحترامى ♥

    ردحذف
  10. مش عارفة شو اقولك،بالنسبة للاسلوب مش هحكي لانه اسلوبك روعة دائما،و بالنسبة لاختيار الكلمات و تراكيب الجمل كله صح الصح كالعادة،بحس اني بقرأ اشي عن طريق قلبي،و بالنسبة للموضوع،وجعتيلي قلبي بس كان حلووووو،و كل القصة على بعضها حسستني اني صغيفة قدام الشخصية اللي بتحكي عنهاو خلتيني ادمع،بس حلووووة،موفقة يا عثل

    ردحذف
  11. زهرة البنفسجالأحد, 10 يونيو, 2012

    من حيث بدأت أول شعور انتابني هو اختيارك الجميل لكلماتك وفكرتك فى الموضوع .. الموضوع ارسلني الى ذاك المكان من حيث لا ادري وكأنه جري امامي تللك الاحداث التي نسجتها بالحرف المفصل لا ادري ان كنت بالغت في وصفي لقصتك ام اقول انني قصرت في وزصفها ولكني ارى من نفسي ااني قصرت ..<>شخصيتك أراها واضحة وفي تارة اخرى لا افهمها ابدا (فذلك يعجبني حتما) اسلوب رائع وكلمات رائعة ..
    بوركتي يا صاحبة القلم الذهبي وللامام بأذن الله

    ردحذف
  12. مريم\ نص قوي يا صغيرة
    أعجبتني النهاية جداً!

    ردحذف
  13. ‎( يارب، خذني إليك، تعبتُ أكل البعض لحم الآخرين، لا أريد حياة من دون حياة، خذني إليك إن كان في ذلك خير لي)
    كتيير حلوة مريومتي يسلمو اديكي وما تقطعينا من هادي القصص الرائعة بل والأروع
    عجبتني هاي الجملة كتيير

    ردحذف
  14. دانة اللبابيديالأحد, 10 يونيو, 2012

    الصراحة .. النص قوي .. اسلوبك جذاب خلاني اكمل للنهاية بدون اي توقف .. نهايتك زكرتني بشكسبير للي بقتل غالبية ابطال قصصو ههههههه .. لكنها نهاية منطقية وواقعية جدا .. استمري :)

    ردحذف
  15. مريم !!
    الجملة الوحيدة التي سأقولها هي و نعم بالله فكل الأشياء يُحدثها بعلمه و نحن من يبدأ بالتفكير بلماذا و لماذا أنا، و نهرم من ذاك و ذاك، و نبدأ بالتعب لكن راحتنا في النهاية هي الله و الصبر
    نصك جميل، و تفاصيله أيضاً

    ردحذف
  16. رواء القناة التربوية الأولىالأحد, 10 يونيو, 2012

    أدبية القصة بلا شك رائعة .. وواقعيتها فائقة الجمال .. والخاتمة غير الرومانسية موفقة جداا :)

    ردحذف
  17. فوق الرائعة يامريم
    بالرغم من قسوة أحداثها إلا أنها واقعية و مؤثرة جداً جداً

    ردحذف
  18. مريم،!

    مريم، مريم، مريم،
    يا لك من مريم، !، الموضوع رآآئع جداً هذا أولاً،

    اللغة سلسة و مرنة، التعبيرات موحية بكل ما يحمله النص من أوجآآع
    و عنصر الدهشة، و المفاجآآة كان قوياً ،
    دمت مريم ♥

    ردحذف
  19. روعة كتييير كتيير

    ردحذف
  20. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  21. أجملُ ما في هذه الحكاية .. أنها جاءت بدون تكلف .. بدون البحث عن مصطلحات دون المعنى من أجل تجميل النص .. جاءت كتابة عفوية من كاتبة تشبه بكتاباتها البلدة الهادئة المكتظة ، كل من فيها يصرخ لكن لا يسمع صراخه إلا هو .. !
    .
    .
    مريم ~
    نصكِ هذا يحمل عبرة قوية ، لكن لم أتوقع أن تكون هذه هي النهاية ، الكاتب يستطيع أن يرسم نهايات الأشياء في الحقيقة قبل الورقة ، وبما أن الكاتب يملك هذا الأمر عليه أن يهدي للكائنات الحبرية في قصصه نهاية مشرقة ، إلا إذا كان هو ليس كذلك ~ وأنتِ مشرقة تملكين شمساً في قلمك~ ~ .. !
    .
    .
    مريم
    سيأتي يوم أذكركِ فيه
    أنكِ ستكوني كاتبة مميزة
    إلى الامام

    ردحذف
  22. عزيزتي مريمــْ ..

    عودة مرة أخرى ،

    نصٌ جميل ،
    قرأت بعض التعليقات هنآا ،
    و قد كفوا و وفوا كما يقال !
    قصة ملهمة ،
    تسكن في قارئها بعدما ينتهي من قراءتها ،
    و تورث لديهِ شعورًا بالحزنِ على بطلِ القصّة الفقير ،
    الذي لا يمثل نفسه فحسب ،
    بل بقية الفقراء في هذا العالم ..

    أعجبتُ بالسردِ الذي يشدُّ القاريء لمتابعةِ القراءة لما فيه من تشويق ،
    بوصفِ المكان أولا ،
    ثم وصفِ البطل ،
    و بعضٍ من ملامحهِ الشقية ..
    أجمل ما في القصة أنها تحقق عنصر التشويق ،
    و قد استطعتِ ذلك ..

    و الحق يقال بأنني فوجئتُ بالنهايةِ التي وضعتها لبطلكِ ،
    لعلي كنتُ أنتظرُ نهايةً أكثرَ إِشراقًا ،
    و تعطي شيئًا من الامل ،
    لكن لا بد أنكِ ارتأيتِ أن هذا أفضل ،
    خاصةً أنه غالبًا ما يحدث ،
    من الصعب تخيل الأشخاص الذين يموتون كمدًا ..

    قصة جميلة مريم ،
    رغمَ أنها أورثتني كثيرًا من الحزن !

    دمتِ ..

    تحيآأتي لكِ ..

    ردحذف
  23. نصيحتى بأن لا نرضى بوقعنا فعلينا أن نحاول ونحاول ونحاول من أجل الأفضل ولكن إن لم نستطع فلا بأس فلا نريد أن نجعل قلوبنا سوداء من أجل مال أو أتفه..
    مريم..قصتك جميلة وسردك لها أجمل ^^
    دمتِ بود يا غالية

    ردحذف

أدلي برأيك هنآ :)

صالون نون الأدبي

هذا كان حوار الجلسة الراقية التي شاركت فيها كضيفة في صالون نون الأدبي للمرة الثانية . كان لقاء ممتعًا ومثمرًا وتناولنا فيه عددًا من المح...