02‏/04‏/2012

هناء شلبي


هناء شلبي

لم يسعفني الكَلمُ طيلة أربعة وأربعين يومًا لأتحدثَ عن "هناء شلبي" ، حتى بعد أن فكّت إضرابها وأُبعدتْ إلى غزة لم أستطع الحديث أيضًا.
ربما لأن الكلمات تستحي من نفسها وتخجل حين تخرج نعتًا لبطل، أو حتى تستحقر نفسها أمام جهابذة البشر، نعم ، إنها بطلة من أبطال هذا الزمن، الذي أهين فيه رجالٌ كُثر ، وضعفتْ فيه همم كثيرة، واستهينَ برجال كان جدودهم يحكمون ويسيطرون على العالم أجمع، والآن هم من يُسيطرُ عليهم، وهم من يُستهان بهم، وهم من أصابهم كثير من الذلة والضعف، وهم من استكانوا وتخاذلوا عن نصرة عرضهم وشرفهم، عن نسائهم وأطفالهم، وانغمسوا في مستنقعات حقيرة من الدنيا ومتاعها .

1-4 هي كذبة نيسان في العالم كله، كنت أظن أنني سأُكذًبُ أي خبر سأسمعه في هذا اليوم، ربما لأننا أصبحنا في عالم الكذابين والخداعين، وأن الكثير أصبحت حاجتهم للكذب كحاجتهم للهواء، بدأت هناء شلبي قبل هذا اليوم المليء بالكذب بأربع وأربعين يوماً إضرابها، كنت أتابع قضيتها يوميًا، آملة أن أسمع في يوم من الأيام انتفاضة حصلت كالأخيرة عام 2000مـ ، ليس حبًا في الدماء ، بل لأنني مللت حالنا الغبي، وغباء الكثيرين، ومرور يوم الأرض ككل عام، على الرغم من أن البعض وجد من يوم الأرض في 2012 يومًا لم يعهده التاريخ الفلسطيني ( ع أساس إنا حررنا القدس والأسرى ورجعنا للـ 48 وفتحنا مطار جديد واعترف بينا العالم ،كمان إسرائيل سُحقت) ، لكن طبيعة العرب أنهم يهتمون للعدد والكمية أكثر بكثير من الجوهر، استشهد في 30-3-2012 هذا العام شاب، وجرح مئات، وطويتْ القضية . (تيرارارااا )
أعود إلى موضوعي الرئيسي ( لأن قلبي يُحرق حين أتذكر واقعنا المر، وحالنا المهان ) !

امرأة صبرت على ما لا يستطيع الكثير منا الصبر عليه، أضربت عن الطعام والشراب أربعًا وأربعين يومًا، ندرك جيدًا ما سيكون قد أصابها من أمراض في جسدها، وخصوصاً مصفاة جسمها"كليتها"، ونحن مدركون جيداً أنها حين أضربت كانت تعرف ما سيصيبها من كل ذلك، لكن رغماً عن ذلك أضربت، علّها تُنهض همم الرجل العربي الشرقيّ الذي بطبيعته يغار على عرضه وشرفه، لكنه وأقولها متحسرة، خيّب  ظنها، وتخاذل عن نصرتها، فلم تجد إلا الله معها، وقليلٌ من عباده . فأكثر العرب كانوا منهمكين في التصويت لمحبوبتهم ومغنّيتهم التي فازت بـ 34 مليون صوتًا لكارمن المصرية ! (يعطيهم ألف عافية) .
آخ يا أمةً ضحكت منها كل الأمم !
هناء نجمة الصبر، هناء نجمة الوطن، وهناء نجمة السماء والأرض، ونجمة كل شريف .

هناء شلبي الآن هي في غزة، بعيدة عن أهلها، أمها وأبيها، فخرجت من سجن إلى آخر، عله يكون أقل تعذيبًا، لكنه يبقى انتهاكاً لحقوقها، فلو أن في العرب شريف غيّور على عرضه، لما قبل بذلك، فأي هوان أصابنا يا خلان ؟!
أعود وأنوه هنا مرة أخرى، إلى أننا لا نريد اعتصامات، ومسيرات، ورايات، لا نريد شعارات، كالتي كل صباح في الطابور نرددها "عاشت فلسطين حرةعربية" ، أو تلك التي نعلمها لأبنائنا في الروضة من معانٍ لحروف فلسطين وأن النون فيها نصرٌ دائمٌ لنا، نحن مؤمنون بذلك جميعًا ، ولا أحد يستطيع أن يُشكك في ذلك، لكننا نريد أصحاب قرارات سليمة، ونريد عقولاً مفكرة، نريد هاماتٍ عالية، نريد معتصمًا جديدًا، وأيوبيًا جديداً، وفاروقاً جديدًا، نريدُ قرآناتٍ تسير على الأرض تحمل النصر لنا من أخلاقها وعقولها.
نريد أنفسنا القديمة، نريد أخلاق أصحاب العشيرة والقبائل القديمة وغيرتهم، لمَ ننسى كل ما كنا نملك من فضائل الشيَم ؟ لمَ نتيه في الأرض بعقولٍ تتجاهل التمييز بين الحق والباطل، وهي تدرك الأمرين كليهما !
هناء أُبعِدتْ، لكن في قضيتها منتصر واحد فقط، هو صبرها،و المهزوم كثيرٌ من الرجال، ولا زال الكثير يُهزمُ، ولن ننتصر حتى نفيق، ويمنّ الله علينا بمن يوقظ العقول وينير الدروب، ويُرجعنا إلى نهج الحبيب محمد - صلى الله عليه وآله وسلم- .

تاريخ فكّ إضراب هناء شلبي : 1-4-2012 مـ عبر معبر بيت حانون.
تاريخ يوم الأرض قبل إبعادها بيومين 30-3-2012 مـ .

هناك 14 تعليقًا:

  1. تدوينة رائعة، وربط جميل بين الأحداث، وستبقى هناء شلبي علمًا في تاريخ فلسطين ، وستبقى مريم لولو أجمل ما رأت عيني من فتيات رائعات مبدعات متميزات واعيات ..

    ردحذف
    الردود
    1. شكرًا يا حلوة، وأكيد ستبقى كذلك هناء ..
      طبعاً رح أشوفك إن شاء الله الخميس ونستكمل باقي أحاديثنا :)

      حذف
  2. انتصرت هناء ، وانتصر الصبر، وخسئوا كل العرب ، كلهم كلهم !

    ردحذف
  3. رائع رائع يا مريم
    تسلسل جميل للأحداث من يوم الأرض وخروج الأسيرة هناء وتمني لانتفاضةٍأخرى وعودةالكرامة العربية .....
    أحيكِ على هذا الفكر الراقي يا صديقة
    دمتِ بخير ^_^

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا فداء، أنرتِ لوحتي من جديد :)
      حُكم علينا أن نفكر بأقصى درجات العقلانية، لأننا نقرأ ونعيش في فلسطين :)

      حذف
  4. لا أدري إن كان يجب علينا أن نفرح أم لا !
    هل إبعادها صح أم لا !
    هل ما حصل صح أم لا !
    الدنيا غير واضحة أبداً
    والمفاهيم وكذلك الموازين مقلوبة !
    مريم ، آلمتيني

    ردحذف
    الردود
    1. لا أحد يدري شيئًا، حتى أنا وأنت لا ندري غداً ماذا سيحدث لنا !
      دمت :)

      حذف
  5. آخ يا أمةً ضحكت منها كل الأمم !
    وثم آخ يا أمةً ضحكت منها كل الأمم !
    وثم آخ يا أمةً ضحكت منها كل الأمم !
    وإلى الأبد آخ يا أمةً ضحكت منها كل الأمم !

    ردحذف
    الردود
    1. وثم آخ يا أمةً ضحكت منها كل الأمم !

      حذف
  6. فعلا يامريم لا نريد شعارات ولا رايات وكلام مبهرج
    نحن نريد فعلا يرفع من همم شبابنا... نريد فعلا يكسر من جبروتهم... نريد فعلا يضم ابناءنا ويوحدهم ...نريد فعلا يجزم مصير قضيتنا ويبرز حقيقتنا!
    رائعة يامريم.. :)
    وبوركت ياهناء :)

    ردحذف
    الردود
    1. نأمل من الله أن يصلح الحال يا صفاء وأن نعقل أكثر !
      وشكرًا على مرورك الرائع :)

      حذف
  7. مريم// جميلةهي تدوينتك تلك بكلماتها, بمدلولاتها ,بأسلوبهاوبتسلسلهاالحدثي المنمق..

    لكن!!
    يؤسفني حال العرب هذا "وبالأخص رؤساءنا" وهم ينظرون الى ما يحدث دون تحريك ساكن ,,أشعر وكأنهم غير مبالين كأن الأمر لا يهمهم "بل يهمنا نحن فقط!!" فقط ما ينجرون وراءه هو ذلك الكرسي اللعين!! فما لنا أن نقول إلا "حسبي الله ونعم الوكيل"

    آخ يا أمة ضحكت منها كل الأمم!

    ولكن!! صدق من قال بأن الأرض ولادة,, فهاهي هناء شلبي تطل علينا بصمودها وصبرها وعزيمتها الفتاكة التي بها ان شاءالله ستغيط الكائدين ولعلها تكون سبب تحريك نفوس أولئك المتقاعسين وأصحاب النفوس المريضة والدنيئة^^ حقا ما أقول فإنه لا يصف ما بداخلي من حرقة وألم وغضب من تِلْكمُ!

    هنيئآ للأسيرة البطلة هنآء على صبرها وعلى ما نالته فهذا كان وسام شرف لنا نحمله على صدرونا آسيين به إن شاء الله "أسأل الله أن يعافيها من كل سوء وأن يشفيها في القريب العاجل العُجال"!.

    دمت مريم ودام قلمك ♥
    تحيتي لك

    ردحذف
  8. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف

أدلي برأيك هنآ :)

صالون نون الأدبي

هذا كان حوار الجلسة الراقية التي شاركت فيها كضيفة في صالون نون الأدبي للمرة الثانية . كان لقاء ممتعًا ومثمرًا وتناولنا فيه عددًا من المح...