21‏/03‏/2012

أمي

أمي
(1)
نادت أكثر من مرة بذات الكلمة ، ولم تزد على كل مرة سوى دمعاتٍ كانت في ازديادٍ منتظم تارة ، وتارة تنفجرُ وكأن سدًّا كان محتجزها!
كانت تنتظر جوابًا منها ، لكنها ما عادت تستطيع ، فقط بإمكانها محادثة روحها ، وذلك سرًا وليلاً ، حتى لا يظنها أحد قد اختل عقلها.
لفتت نظرها زهرة بقربها ، بين زهور كثيرة ، لكنها كانت تنطقُ بتفاصيلَ اعتاشتها،ولم تملّ من دعاء الله أن تحظى بلحظات مثلها ، تمتدّ عمرًا .
كانت البيضاء وسط زهور صفراء وحمراء ، وقليلة لا زالت خضراء ،ذكرتها البيضاءُ حين تعثّرت مرة في حديقة المنزل ، وكيف أن يدًا حنوناً امتدتْ ولفّتها ، عانقتها ، وليستْ إلا ثوانٍ حتى التصقت شفتاها بخدها ، واليدان مطوقتان خصرها ، ثم ظهرها ، ورأسها ، فكلها .
- الحمدلله أنتِ بخير ، كم ستضيق الحياة بي إن حصل لكِ مكروهًا !
عادت من الحديقة إلى غرفتها برفقتها وبرفقة حب مكتملٍ لم ولن تؤمن إلا به وصدقه .


(2)
لم تستطع تجاهل ذلك الشيء المغلّف بورق أبيض وشريط أحمر ، هذه المرة لم تتذكر القلب الأبيض فحسب ،بل تذكرت حين كانت الأحزان مغلفة قلبها ، حين نالت العتمة من كل ركن في غرفتها ،حين انقلبت الحياة بها ، وكان الملل والاكتئاب والضجر والسأم كلّ ساعاتها .
فما لقيت إلا شالاً حريريًا مليئًا بمشاعر حنونة ، انسدل على قلبها ، وخمر أحزانها ، وضمها وحنا عليها ، وقبّلها ذات القلبة حين تعثرت في حديقتها ، فكانت دواء روحها ، وتحوُّلِ العلقم بلسمًا . ولن تنسى كلماتِ العطف في وقت أزماتها :
-أنتِ نرجس حياتي وياسمينها ، ورقصة قلبي ، وأغنية أيامي ، حزنكِ حزني ، وفرحك فرحي .
خرجت من بحر عذاباتها بتلك الكلمات ، وعادة كالوردة الحمراء ، شكلها يسرّ ، وقربها يُسعِد .


(3)
امتدّ نظرها للأمام ، بعيدًا قليلاً عن الكرسيّ الخشبيّ الذي تجلسُ عليه ، بعيدًا حتى وصلت الربيع الممتد أمام عينيها ، تستطيع لمسه إن اجتازت نافذة الغرفة ، تلك النافذة التي يرى من خلالها المرء مساحات واسعة من كل شيء ، يرى ضحكًا ولعباً ، وبكاءً وعطاءً ،يرى بحرًا كبيرًا يستوقف كلّ شيء يمر أمامه ، فاستوقفها ، وكذلك استوقف ذاكرتها ،وعاد بها إلى ذلك اليوم ، حين كانت في طريقها للعودة إلى البيت ، وتخطط لكيفية قضاء عطلة نهاية الأسبوع هذه المرة ،بعيدًا عن الكتب والدراسة والأصدقاء ، فقط مع العائلة ، لكنّها صُدمت حين عادت ورأت أمامها من سيحول بينها وبين خروجها هذه العطلة ، من دون قصد بالطبع ، لكنّ الأسنان ووجعها لا تعطي مجالاً لأحدٍ في الاستمتاع بأي لحظة !
توقفتْ صامتةً ، لكن صمتها كُسرَ بصوت حنون يخرج من بحر العطاء ، رغماً عن وجعها وتألمها .
- هل قررتِ أين سنذهب الليلة ؟ هيا من دون كسل حضّري أغراضكِ لنستمتع اليوم .
سرقتْ كل الأفكار الشريرة من ذهنها بكلماتها ، وازداد إيمانها بها ، ووردة قلبها احمرّت أكثر ، وابتسمتْ .


(4)
الآن ، ابتسمت ذات الابتسامة ، لكن العقل ما فتئ إلا وأعادها إلى الغرفة التي تجلس فيها ، وبقربها باقة ورد مكتوب عليها "نحبّك يا ستّ الحبايب" ، وهديّةٌ لا تعرف بعد ما فيها ،وكلمة "أمي" من فم أبنائها اللذين دخلوا الغرفة عليها ، و"جدتي" من أحفادها ، وأخذوا يقبلونها واحداً تلو الآخر ، ويبتسمون ابتساماتٍ وكأنهم في العيد ، ابنتها غطّتها بشالٍ طرزته لها ، تماماً كشال أمها الذي غطته بها حين وقعت ، وابنها قبّلها وأهداها وروداً اعتنى بها بيديه مذ زرعها . وأحفادها يلعبون حولها فأعادوها لعطلة نهاية الأسبوع مع أمها .
-كان اليوم مبتسمًا لي منذ بدايته، كنت أنتظر جواباً من أمي ، لكنكم أنتم هنا حتى تعوضوا ما بداخلي من حنين، لا حرمني الله منكم يا أبنائي.
وغنوا لها جميعاً :
 يا أغنية العيـــــد ورقصة الورود
يا وسادة الأحلام ، ودفء القلوب
يا رائحة الفلّ ، ولمسة الحنـــــون
يا اكتمال الحبّ ، وإيمان العقــول
يا صافية العشق ، ونقاء الغيــوم
ما أدفأ روحك ، وأكبر قلبك ، وأعلى سماكِ ، لكِ الربيع يا الربيع ، لكِ أنت ، فلا أجملَ منكِ !

هناك 9 تعليقات:

  1. Btjaneeen zi daymn mryaaam ♥
    y5lelk eyaha ya rb ♥♥

    ردحذف
  2. امي : انت الكون باكمله
    الله يخليكوا امياتكوا يا رب

    ردحذف
  3. بحبك يا أمي...♥♥

    ردحذف
  4. بعشششقك يا أمي ❤❤❤❤

    ردحذف
  5. الي 7 سنين ماشفت امي بجد اشتقتلها كتير ونفسي اشوفها ياااارب اجمعني مع امي قريبا

    ردحذف
  6. woOoOoOow ,, I Like this ♥

    ردحذف
  7. رائعة جدا و جدا يا مريم

    ردحذف
  8. أًنتٍ يًاٌ منْ تًمُلٍكٍين ٍ جَنّةً تَحْتً الْقَدَمْ.... يا رب احفظلي اياكي

    ردحذف
  9. ان شاء الله كل يووووووووم ودووووووووم امهاتنا بالف خير

    ردحذف

أدلي برأيك هنآ :)

صالون نون الأدبي

هذا كان حوار الجلسة الراقية التي شاركت فيها كضيفة في صالون نون الأدبي للمرة الثانية . كان لقاء ممتعًا ومثمرًا وتناولنا فيه عددًا من المح...