22‏/01‏/2012

خجلاً من القدس .. !

التدوينة التي قمت بنشرها في مدونة "تشرين" ، ضمن حملة "دوّن من أجل القدس" .. 

 خجلاً من القدس ..!
صنتَ الشارع لآهات البيوت القديمة ، أزعجته كثيرًا أصوات الطائرات الحربية ،وسلاسل الدبابات التي تنزع غفوته قبل أن يبدأ بها..
الجدار يلبس ثوبًا مهترئًا ، ممتلئًا برملٍ لامس يد الفاروق والأيوبي ، ويحن كثيرًا كثيرًا لأيادٍ تصونه من الرياح العنيفة .

اهترأ الجدار وتمزق ثوبه مذ مسته جرافات صفر تدّعي تاريخًا لم يولد بعدْ ، تسير بقيادة غبي يحمل فوق رأسه خوذة حديدية يخالها تحميه من غضب البلدة القديمة ، وغضب جبالها .

شقوق الجدار- ذاته – وخروقه تشهد وتقسم أنها منذ ولادتها لم ترَ إلا قبة صفراء بجانبها مسجد به طهارة كل البقاع ، سحرت أعينهم فلم يستطيعوا رؤية ما دون هذا الجمال ، وتقسم أن أخيلة مرت أمامها لجنود وخيول صانوا دماء أزقتها ، ومعلمين صنعوا كثيرين .
أما رمل الجدار فيقسم أنه كان يصحو وينام على صوت الأذان والجرس اللذان لم يناما ، وتجاعيد الأرض تخشى أن يُنوّما …

كل يوم ، تمر فوق الشارع فتاة الزقاق القريب ، التي لم تضجر – منذ دهور – وهي ترتل آيات الإسراء وترنيمة المسيح .

العلم الملون –المنسيّ الممزق- يرفرف فوق أعمدة الكهرباء التي قطعت وصلها بالكثيرين ، ولم تسعدهم منذ سنين .

عروق الزيتونة حزينةُ على رؤية أبنائها ضعاف ، مخذولين ، متقاسمين منقسمين ومتحاربين ، متناسيين ، تذكر أنها قد أعطتهم زيتها وزيتونها ، خشبها وورقها ، أطعمتهم وغذتهم ، دفّأتهم وآوتهم ، و كم من مجاهد ضرب من خلفها ، وكم من معلم وطالب تفيأ ظلّها ، وها هي بعد أن هرمت ، تركوها ، حتى العقول أبت وصلها ونسوها ،وجعلوا وزارة أو منصبًا جلّ همهم ، ومن أولى أولوياتهم !

زيتونة القدس تنتظر موتها لتحرم من رؤية أبنائها بحالتهم تلك ، فيضيع التاريخ الذي لا يوثق إلا بها ، والدمعات لا ينقطع جريانها من بين تجاعيدها ، والغيمة واقفة فوقها ، تنتظر ..

كان الفاروق قد حرّم على الصهاينة دخول القدس ، والآن يحرم على أحفاد الفاروق دخولها ، فأي هوان حل بأحفاده ؟ وأي نصيب لحبيبها من خيالها إن لم يحميها ؟ وأي استهتار بأرض ودين وعرض خيّم على عبّاد الدنيا ؟ وأي استهتار بشيخ وقسّ يحترق دمه كل يوم على تربها ؟ وأي غباء حل بنا للمساومة على حقنا ؟ وأي مؤتمرات تلك التي لا تخجل من انعقادها ؟ وأي قوانين وقرارات تخرج كل مرة لتنزع حقاُ جاء في التي قبلها ؟!
تساؤلاتٌ مخجلة ، فنصكّ وجوهنا خجلاً من الزيتونة العجوز ، والحجر المنتظِر ، والجدار التّعب ، نصكّه خجلاً من الشيخ المتألم المجاهد ، والقس الكبير ، من الكنيسة وجرسها ، من القبة الذهبية ونقوشها ، من مسرى النبي العظيم ومحرابه ، خجلاً من القدس !

وما زال الشارع يصنت لكلّ ذلك …


ولقراءتها في مدونة "تشرين" .. 
http://www.teshren.com/ar/?p=731

مريم طاهر لولو

هناك 13 تعليقًا:

  1. تساؤلاتٌ مخجلة ، فنصكّ وجوهنا خجلاً من الزيتونة العجوز ، والحجر المنتظِر ، والجدار التّعب ، نصكّه خجلاً من الشيخ المتألم المجاهد ، والقس الكبير ، من الكنيسة وجرسها ، من القبة الذهبية ونقوشها ، من مسرى النبي العظيم ومحرابه ، خجلاً من القدس !
    وما زال الشارع يصنت لكلّ ذلك …
    كان هذا اكثر ما أعجبني كما لفت نظري أكثر من جملة..
    عزيزتي ..انت اكثر من عرفت تألقاً..كلماتك تدل أسطع دلالة على ما تمتلكينه من مواهب..أتحفيني دائماً..
    كم أعشق تدويناتك يا جميلتي....! تمدني بالامل..!!

    ردحذف
  2. رائع يا مريم (:

    ردحذف
  3. خجلاً من القدس !
    أيوومتي انتي رائعة بكل شيء ..وبكل ما تكتبيه ...
    جميلُ ..جميل ُ.||~

    ردحذف
  4. فأي هوان حل بأحفاده !!!
    ---------
    رآئعة معانيك ، منتقاة كلماتك مريم ،، استمري :)

    ردحذف
  5. رآآآآئع

    ردحذف
  6. مدونة معبرة بمعنى الكلمة عن حال القدس ٠٠٠اعجبتني كثيرا٠٠٠بارك الله فيك يا مريم.

    ردحذف
  7. رائعة يا مريم، خاطرة أخذتنا بعمق إلى هناك .. :)

    ردحذف
  8. وجّعتيني .. :(

    ردحذف
  9. صمت الكلام ~الأحد, 22 يناير, 2012

    ما رح يجاوب عليكي حدا ، الكل ما بيهمو الا نفسه ،/
    أخ بس !
    نص رائع مريم

    ردحذف
  10. وما زال الشارع يصنت لكلّ ذلك.... اكثر من رائعة :)))). دمتٍ بخير

    ردحذف
  11. فأي هوان حل بأحفاده ؟ وأي نصيب لحبيبها من خيالها إن لم يحميها ؟ وأي استهتار بأرض ودين وعرض خيّم على عبّاد الدنيا ؟ وأي استهتار بشيخ وقسّ يحترق دمه كل يوم على تربها ؟ وأي غباء حل بنا للمساومة على حقنا ؟ وأي مؤتمرات تلك التي لا تخجل من انعقادها ؟ وأي قوانين وقرارات تخرج كل مرة لتنزع حقاُ جاء في التي قبلها ؟!
    تساؤلاتٌ مخجلة ، فنصكّ وجوهنا خجلاً من الزيتونة العجوز ، والحجر المنتظِر ، والجدار التّعب ، نصكّه خجلاً من الشيخ المتألم المجاهد ، والقس الكبير ، من الكنيسة وجرسها ، من القبة الذهبية ونقوشها ، من مسرى النبي العظيم ومحرابه ، خجلاً من القدس!
    وما زال الشارع يصنت لكلّ ذلك...

    رائعة مريم بل أكثر :)
    سعيدةُ أنا بأمثالك بيننا.

    ردحذف
  12. بوابة المعراج و عروس فلسطين لن يعيد بهاءهاالا المصطفين الاخيار المستحقين لنيل هذا الشرف والعاملين لنيله بإخلاص بلا يأس غير مبرر او امل كاذب
    الا ان سلعة الله غالية .

    ردحذف
  13. أصبتِ ,,
    القدس مهجة الأحرار ، وكل ما فيها يؤلمهم ..
    لا حول ولا قوة إلا بالله !

    ردحذف

أدلي برأيك هنآ :)

صالون نون الأدبي

هذا كان حوار الجلسة الراقية التي شاركت فيها كضيفة في صالون نون الأدبي للمرة الثانية . كان لقاء ممتعًا ومثمرًا وتناولنا فيه عددًا من المح...